معهد العلوم الإجتماعية، الفرع الرابع، الجامعة اللبنانية

من الستاتيك إلى الديناميك: جمعية حقي إورث نموذجًا

لطالما شكّل قانون الحالات الثلاث لأوغست كومت مادةً خصبةً للنقاش، إذ يشرح الانتقال من المرحلة اللاهوتية إلى الميتافيزيقية ثم العلمية بوصفه انتقالًا من “الستاتيك” إلى “الديناميك”، قبل أن يستقرّ ستاتيك جديد مع المرحلة العلمية المستقرّة. نظريًا، تحتاج هذه الصورة إلى تخيّلٍ وتبصّر، أمّا عمليًا فقد تجسّدت بوضوح في تجربة الدكتورة علوم عودة، ابنة بلدة الخضر في قضاء بعلبك.

ففي بيئةٍ كان فيها الحرمان من الإرث مقبولًا اجتماعيًا لأن المتضرّرات نساء، حوّلت الدكتورة عودة هذا الواقع الستاتيكي إلى ديناميك فاعل. كانت الشرارة يوم رفعت صوتها في وجه أقرب الناس إليها—في وجه والدها—رافضةً أن ينال الإخوة الذكور “حصة الأسد” من الإرث، فيما تُقصى هي وأخواتها رغم تحصيلهن العلمي العالي ومشاركتهن الفاعلة في الأعمال الزراعية الحقلية والأعمال المنزلية، مقابل محاولات “ترضية” بفتاتٍ مادي لا يرقى إلى الحق.

وبالتنسيق بين معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية (الفرع الرابع في زحلة)، والجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع، والملتقى الاستراتيجي للأبحاث والدراسات، وجمعية Blossom of Joy، استُضيفت الدكتورة علوم عودة في ندوةٍ عُقدت في معهد العلوم الاجتماعية بزحلة. عرضت خلالها، بعفوية ووضوح، تفاصيل تجربتها الشخصية التي قادتها إلى تأسيس جمعية “حقي إورث”، الحاصلة على علم وخبر منذ مطلع عام 2021. ومن خلال هذا الإطار، تمكّنت من دفع النساء إلى كسر الصمت ورفع الصوت في وجه الظلم—بدءًا من بلدة الخضر، مرورًا بالبقاع، وصولًا إلى لبنان عمومًا، ثم إلى الدول العربية—مستندةً إلى نجاحٍ لافت وقبولٍ واسع بين نساء متعطّشات للتعبير عن حرمانهن من حقوقهن المشروعة.

افتتحت الندوة مديرة المعهد الدكتورة داليدا البيطار، وقدّمها رئيس الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع الدكتور فداء بوحيدر. وحضر إلى جانب الدكتورة علوم عودة كلّ من الدكتور مارون مخول، نائب رئيس الملتقى الاستراتيجي للأبحاث والدراسات، الذي ألقى كلمة تناول فيها معاناة المرأة تاريخيًا ومسار نضالها الطويل، وصولًا إلى تمكينها من حجز مكانتها الطبيعية كطاقة فاعلة وقادرة—أسوةً بالرجل—في مختلف ميادين الحياة العلمية والعملية.

كما قدّم الدكتور ناجي علي أيوب، المتخصص في القانون المحلي، مداخلةً تناولت التشريعات المعتمدة لدى مختلف الطوائف في لبنان، مسيحيةً كانت أم إسلامية، مبيّنًا نظرة التشريع الديني والطائفي إلى حقوق المرأة في الإرث. وأوضح أن القانون اللبناني يساوي بين الرجل والمرأة ويكفل لها الحقوق نفسها، غير أنّ العادات والتقاليد الاجتماعية السائدة غالبًا ما تشكّل العائق الأقوى أمام تطبيق هذه القوانين أو تُستخدم للتحايل عليها.

شهد اللقاء حضورًا كثيفًا من الزميلات والزملاء والطلاب والطالبات والموظفين والموظفات، وتخلّلته مداخلات وأسئلة أغنت النقاش وشجّعت الحضور على عدم السكوت عن الظلم، مهما تنوّعت أشكاله، والدعوة إلى رفع الصوت كلّما جرى هدرٌ لحقوق الأفراد. أمّا الصور الملتقطة من الندوة، فقد عكست بجلاء مستوى التفاعل الذي ميّز العرض والنقاش.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *